شهادة من مركز شرطة النعيم: تجربة حسين الأمير

2011-06-04 - 1:36 ص

 في هذه المساحة من مرآة  البحرين استضفنا (حسين الأمير) قبل رحيله بشهرين، ليحكي تجربته السوداء في مركز توقيف شرطة النعيم. حينها كان قانوان السلامة الوطنية متشبثا بكل شيء أسود، و(الأمير) متشبثاً بكل شيء أبيض، وحفاظاً على بياض (الأمير) لم نكتب اسمه. اليوم لم يعد هذا القانون ولا جلاوزته يمكنهم أن ينالوا شيئاً من بياض (الأمير)، نكتب اسمه احتفاء بياضه الذي تركه لنا وسط هذا السواد الذي يلف فضاء وطننا.

وصلة للملف...




مرآة البحرين (خاص): "السلام عليكم الأخ ...؟ أكلمك من مركز شرطة النعيم. الرجاء مراجعة المركز هذا اليوم الساعة الحادية عشر صباحا للأهمية" عسكري يمني من المركز المذكور في اتصال هاتفي.

أخبرت زوجتي بالأمر فحاولت ضبط نفسها استعدادا لمواجهة مرحلة جديدة متوقعة. تبدأ بالعمل على إطلاق سراحي وقد تنتهي إلى إدارة الأسرة المطلقة مدى الحياة.
ثم اتصلت بأحد أقاربي وأبلغته بالأمر طالبا منه مرافقتي إلى هناك فذكرني بالله وحاول مساعدتي على امتصاص الصدمة والاستعداد للتحقيق الذي سيعينني الله على اجتيازه دون عناء وأغلق الخط بشكل مفاجئ معلنا حالة الطوارئ للسيطرة على مشاعره أمام من حوله والاستعداد لمفاجآت تلك الرفقة.

 
عدت إلى زوجتي التي بدأت تغالب دمعها وأوصيتها بعدم التوقف عن المطالبة بحقوقنا المشروعة في انتخاب حكومة ديمقراطية عادلة وتربية أبنائي على ذلك مهما حدث.
وفي وداعي لولدي الذي لم يبلغ الثامنة من عمره أبلغته باستدعاء الشرطة لي واحتمال عدم عودتي وأوصيته بالأسرة خيرا، ثم أكدت له على ضرورة اهتمامه بدراسته والحرص على قراءة كل مفيد حتى يكبر ويتمكن من الدفاع عن البحرين إن لم تنتصر الثورة.

في الطريق إلى المركز ذكرت قريبي ببعض جرائم النظام السابقة وأكدت له على ضرورة استمرار المقاومة والصمود، وطمأنته بأنني لن أستفز المحققين وأعددته للعودة إلى البيت وحده.

دار في ذهني فيلم مرعب لجرائم النظام الظالم ابتداء من الاستعباد تحت تهديد السلاح، مرورا باختطاف الفتيات واغتصابهن ونهب الأراضي، إلى الثورات المتعاقبة ونتائجها منذ ثلاثينيات القرن الماضي حتى اليوم فقلت: نحن اليوم ندفع ثمن توقف الثورات السابقة في منتصف الطريق، ولو توقفنا فسيدفع أبناؤنا أضعاف ما ندفعه اليوم أيضا ثمنا لرضوخنا نحن واستسلامنا للأساليب السابقة نفسها من استعباد وفتن وتعذيب واغتصاب وتمييز وتجنيس ونهب وتشريد وقتل.

الموت من شدة التعذيب أو الحياة بإعاقات إضافية سيناريوهات لم تغب عن ذهني أثناء استدعاء الذاكرة لقراءاتي عن فنون التعذيب في معتقلات النظام. ولسان حالي يقول: يجب أن يكون ذلك كله مددنا لتحقيق النصر لا مفتاحا لهزيمتنا على يد النظام مدى الحياة.

عند باب المركز استغرب الحارس من كوني مطلوبا فأشار إلى قريبي بإيقاف السيارة خارج المركز ثم جاء ليصحبني إلى داخل المركز.

سخر مني أحد البحرينيين قائلا: ودوه داخل يمكن يشفى هناك.وكلما مررنا بأحد قال: معاق ويحرض بعد! ففهمت أنها ربما تكون تهمة جاهزة لكل من يأتي إلى هنا.

ثم وصلنا إلى قاعة مطلة على عدد من الغرف أوقفوني فيها مدة ساعتين تقريبا مع 4 أو 5 مدرسين من إحدى المدارس الحكومية مكبلي اليدين معصوبي العينين. وكان معنا رجل مسن مصاب بداء السكري وجده الجيش مسرعا بالقرب من السوق المركزي قاصدا الحمام فأحضروه إلى هنا دون أن يعرف السبب.

سألنا البحريني واليمني والباكستاني والعراقي ما شاء.فتظاهر البحريني بقسوته، وفشل اليمني في إخفاء عطفه، وأرضى الباكستاني فضوله، واستعرض العراقي عضلاته وسلاطة لسانه.تشابهت أسئلتهم، واختلفت قلوبهم، وشاب الحذر قبضاتهم رغم قسوة بعضها.

سألوا عن الاسم والعمل وطلبوا من بعض الزملاء ذكر السلام الملكي، وكان منهم من لم يحفظه، واستنكروا مطالبتنا بحقوقنا المشروعة عبر المسيرات واصفينها بالتحريض، وأنكر عراقيان علينا أصولنا البحرينية ووصفانا بالإيرانيين الصفويين الكلاب.

تزامن ذلك الإنكار مع تعاقب يدي أحدهما بالضرب على الوجه والرقبة، وطرق الأعضاء التناسلية بعقال أو أنبوب بلاستيكي.

ثم بدأ بإجبارنا على فتح أفواهنا ليبصق فيها ويرغمنا على بلع بصاقه، ولكنني رفضت فتح فمي فانهال على وجهي ضربا وهددني بكسر فكي وأسناني ولم أستجب له حتى تركني وقد كنت آخر المعذبين بهذه الحقارة.

بعدها سمحوا لنا بالجلوس على الأرض في أماكننا لمدة لا تتجاوز ربع الساعة.ثم نقلونا إلى غرفة مهترئة الجدران بها سلم مؤد إلى طابق ثان من المركز وأجلسونا على الأرض أيضا وأحضروا لكل واحد منا وجبة الغداء والسلطة في علب بلاستيكية مغلفة تبدو أنها من أحد المطاعم المتواضعة، وفكوا القيود والعصابات.
تذكرت زوجتي وأبنائي فحال الشوق والإشفاق دون تناولي لذلك الغداء وبدأت أدرس فكرة الإضراب عن الطعام والشراب حتى ألقاهم خارج تلك الأسوار المتهالكة.
وبينما كان بعض الزملاء يتناولون غداءهم بدأ العسكر بالصعود إلى الطابق الثاني عبر السلم المذكور لتناول الغداء هناك.كان أحد اليمنيين متعاطفا معنا وكان يتحدث مع أحد المدرسين بين الفينة والأخرى ويخفف عنه. ثم سمح له بالاستلقاء على الأرض مدة غداء العسكر.

   
أخذني يمني  إلى مكتب التحقيق فاستقبلني بحرينيان. سألا بغلظة عن المسيرات الاحتجاجية التي شاركت فيها وعددها، وعدد مرات ذهابي إلى دوار اللؤلؤة مهددين بتعذيبي دون رحمة إن أخفيت الحقيقة. وسأل أحدهما عن مطالبي من الدولة، فامتنعت عن الإجابة معللا ذلك بكونها تعرضني لخطر سلطته وسلاحه.
ثم قرأ علي إفادتي بدقة فأبديت موافقتي عليها. فنادى أحد العسكر ليعيدني إلى حيث كنت.بعد وقت قصير أعادوا وضع العصابات وطلبوا من كل واحد منا الإمساك بكتف الآخر واصطحبونا جميعا إلى السجن المؤقت وأجلسونا على فراش قديم. فاستلقى معظم الزملاء سواي؛ خشية من استنكار العسكر من ذلك وعودة التعذيب إلينا من جديد بذلك المبرر.

باغتني طيف زوجتي وأبنائي فكادت العبرة تخنقني وأمطرني القلب بوابل من الأسئلة: ماذا فعلت بهم بمشاركتك في تلك الثورة المجنونة؟ كيف تركت أبناءك في بداية الطريق؟ وكيف تخليت عن زوجتك في منتصف طريقها العملي والدراسي وفجعتها بفقدك وحملتها تلك الأعباء الثقال؟ ماذا فعلت بك تلك الأسرة كي تقودها إلى هذا النفق المظلم؟ ضاقت بي الدنيا بما رحبت، وشعرت بأنني خسرت كل شيء ولم يبق لي سوى الله.دعوته أن يحفظني وأهلي وأن ينصرنا على من ظلمنا، وقرأت بعض ما حفظت من سور وآيات قرآنية حتى شاغبني دوار اللؤلؤة وتلك الجموع الغفيرة المحتفلة بالنصر.

لم أطلق لنفسي العنان في الاستغراق في طقوس النصر الخيالية تلك رغم أنها تكررت كثيرا قبل هذا اليوم، بل عدت لتذكير نفسي بأساليب التعذيب التي قرأتها استعدادا لأسوأ الاحتمالات، وقطعت على نفسي عهدا بعدم الاستسلام حتى الموت داعيا الله العلي القدير أن يعينني وينصرني ويسدد خطاي.
توضأنا بماء وجدناه في الغرفة وصلينا الظهرين إذ إنهم لا يسمحون لنا بالذهاب إلى قضاء الحاجة باستثناء المسن المصاب بالسكري. بعد قليل أدخلوني في غرفة وطلبوا مني التوقيع على إفادتي ففعلت دون أن يعيد قراءتها ثانية ولم أدر إن كانت هي نفسها أم لا. فأعادني إلى السجن مرة أخرى.

وبعد ثلث ساعة تقريبا بدؤوا باستدعائنا الواحد تلو الآخر.أدخلونا في غرفة وأوقفونا وطلبوا من كل موقوف فتح فمه وكان أحد العسكر يدخل فيه جهازا مستطيلا دقيقا مغطى بغشاء مطاطي يمرره على الجهة اليمنى من الفك السفلي ثم الجهة اليسرى منه ويكتب معلومات في ورقة بعد الانتهاء من تمرير الجهاز في فم كل موقوف.
ثم طلبوا مني حمل إطار يشبه إطار الصور أو الشهادات التقديرية، وصوروني به.فأمروني بتغيير اتجاهي ليصوروني من الجانب الأيمن ثم الأيسر.بعدها اتصل بقريبي طالبا منه الحضور لاستلامي ثم سلمني بطاقتي الشخصية التي أخذت مني عند دخولي المركز وأعادني إلى السجن حتى وصل قريبي. خرجت من السجن الخاص، لكني حتى الآن أشعرأن وطني قد أصبح سجناً كبيراً، حرية التحرك فيه تصطدم بجدار الأمن الخوف.
 

التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus