رسالة من (ابراهيم أباي) الكازاخستاني إلى ملك البحرين: ما أتعس بلدا تقدم شرفها من أجل عارك

2014-04-13 - 10:22 م

"لتتأمل في أعماقي المتأججة

فأنا وطريقي.. غريبان عليك

لقد خضت المعارك الضارية

لأنير الدرب للأجيال القادمة"

مرآة البحرين (خاص): الأكيد أنك لم تسمع باسمي، أنا أباي كونانيايف (1845-1904). أعدُّ مؤسس الأدب الحديث في كازاخستان، والأب الروحي لكل القازاق. أنا شاعر يحفظ شعري جمهور شعبي. وبهذه السلطة الروحية التي أملكها أخاطبك وأنت تزور بلادي.

"يلقى الشاعر بلعناته الصاعقة 

على الظالمين ...والمستعبدين 

وتحيق بالعالم الهموم والكوارث 

فمن سواه يحكيها للبشر؟

كلمة الشاعر العملاقة الغاضبة 

تنصب محكمة الشرف، والعقل 

يكتب مايمليه الضمير 

مكتسحا كل الأوشاب" 

أيها الملك.. يموت الطاغية ولا يموت الشاعر، وأنا نصبت قصائدي لتكون محكمة للشرف والعقل، ولعنة على الطغاة. كلماتي صالحة لكل زمان يتواجد فيه طاغية، وكل مكان يحكم فيه طاغية. لقد استبدلت أمي الجليلة، اسم (ابراهيم) الذي أطلقه علي أبي باسم التدليل (أباي)، ويعني (المتمعن الحذر). ظل هذا الاسم ملازماً لي طوال حياتي، وبه خضت معاركي الضارية ضد الطغيان، وحرصت أن أبقى متمعناً دائما فيما يمليه علي ضميري الإنساني، وحذر من الانزلاق نحو ما قد يخدش شيئا من شرفي أو عقلي.

وظيفة الشاعر أن يصب لعناته على الظالمين، أن يحكي معاناة البشر وما يحيق بهم من الهموم والكوارث على أيدي الطغاة، وأنت تزور بلادي، عليك أن تعرف أن لعناتي تشملك، فوظيفتي لا تنتهي بموتي، لأني شاعر، ووظيفة الشاعر أن يلعن الطغاة، وأن يجعل أشعاره حية حيث هم يموتون.

"حينما يفتقد الناس الإرادة 

تبرق أنت بنار الفكرة

وتنطلق مزاميرك اللاهبة 

تبعث الفزع والسهاد 

في قلوب الخائرين والجبناء 

إن اخترت الصمت يا رفيقي 

مدخراً لغتك البليغة 

سيضل القطيع ...بوادي الخواء " 

وظيفة الشاعر أن يبرق بنار الفكرة، الكلمات يحولها إلى نار ونور، نار تلهبك أيها الطاغية، ونور يلهم الشعب. أنا مازلت أمارس وظيفتي، وزيارتك تمنحني الفرصة لأجدد مهمتي الشعرية ولأذكر بها. لقد وهبت أشعاري لكل الشعوب، أبرق لهم ليثوروا ضد كل سلطة تريدهم أن يبقوا قطعاناً ضالين.

أيها الملك، لقد تعلمت من المثقفين المنفيين إلى قريتي تجربة المنفى، أعرف مرارة المنفى وأعرف معاناة المناضلين من المثقفين مع الديكتاتور، لذلك أتعاطف مع المناضلين والمنفيين من شعبك، أدعوهم أن يبرقوا بنيران كلماتهم ضدك، وأرجوهم أن يقرؤوا أشعاري، ويعرفوا أنهم ليسوا وحدهم، ورسالتي لك ناطقة باسمهم، إني أعبر عنهم وأتحدث بلسانهم، وأعرف أنهم في بلادهم لا يستطيعون التحدث إليك بهذا الوضوح الذي أخاطبك به. فقانونك يجرّم الكلمات التي تستخدم ضدك بأشد أنواع التجريم، لقد سجنت الكثير منهم فقط لأنهم تكلموا، أو تكلموا بكلمات توحي بالنيل منك، انك تحمي نفسك بالقانون الزائف وتنال من المثقفين.

"ماقيمة الأوسمة الزائفة 

من سماسرة الكلم الرخيص" 

أيها الملك، أنت واحد من هؤلاء، لا تعدو أن تكون سمساراً تمنح الأوسمة الزائفة للشعراء الذين ينافقونك، وللصحفيين الذين يزيفون الواقع من أجلك، وللمثقفين الذين يخونون رسالتهم ويسكتون عنك، وللفنانين الذين يجملون قبح أعمالك، وللسياسيين الذين يكسبون من موالاتك، ولنجوم الغناء والرقص والتمثيل الذين يسترون بالدعاية واقع بلادك التعس. كان أسقطت شعار شعراء بلادك "الكلمة من أجل الإنسان" وجعلته " الكلمة من أجل بطشك"

"يهرب التجار من ربوعنا

ويتسكع الدخلاء والخاملون

وليس من الشرف أن نرى مواطنينا

يهانون، ويقهرون في ترابهم

شعبنا لا يثق بالسلطة

التي تغرقه في المظالم

ولا تحميه من مغتصبي القطعان"

في نهاية القرن التاسع عشر، حاربت أنا الاقطاعيين وكان أبي منهم. نعم حاربت أبي أيضاً لأنه كان إقطاعياً. أؤمن أن وظيفة الشاعر والمثقف أن يحارب كل ما يستغل الإنسان. في مثل ذلك الوقت، كان جدك (عيسى بن علي1869-1923) يقسّم البحرين إلى اقطاعيات ويوزعها على أعضاء قبيلتك، ينهب  سكانها ويهينهم ويطردهم من أرضهم التي جاؤوا منها. لقد أغرق شعب هذه الأرض في المظالم، وأنت لا زلت امتداداً لهذه السياسة، لم تحم هذا الشعب من مغتصبي حقوقه وأملاكه، وما زال يعيش محنة استبداد القوي واستحكام نفوذه.

أيها الملك، سأتحدث إليك بصراحة أكثر، وبمأساة تخص شعبي لا شعب البحرين فقط، لقد حولت بلادك لـ(مبغى)، واستغللت بنات بلادي للاتجار بهم (الاتجار بالبشر)، وهذه هي  إحدى أعمال الدكتاتورية. لاقيمة للانسان في وجهة نظر الديكتاتور، ويمكن استخدام الإنسان دون مراعاة لكرامته. شبكات الدعارة راحت ضحيتها (كرامة) بعض من بنات بلادي. كثيرات منهم كنّ مادة ضمن دعايات سباق الفورمولا التي تقيمها على دماء شعبك. كنت تروج عبرهم للسياحة. السياحة بالإنسان وليس السياحة من أجل الانسان. تستدرجهم ضمنيا عبر تسهيلات تأشيرة الدخول ليقعوا ضحية لعصابات الإتجار غير الشريف.

إنك لم تكتف بذلك. لقد صنعت بيئة مهينة لكرامة الانسان. كل ذلك من أجل أن تكون وحدك صاحب كل شيء. قمت بتجنيس فئات فقيرة من بلاد مختلفة واستغللت حاجتهم. نزعت منهم قيمة الانتماء إلى أوطانهم وأراضيهم. فقدوا هذه القيمة ففقدوا قيمة أخلاقية كبرى. لقد جردتهم من أخلاق الانتماء، فصاروا كائنات من غير قيم. منحتهم الجنسية المشروطة بطاعتك، المشروطة بالخضوع لك ولاستخداماتك ضد المواطنين الذين هم أبناء بلدك الأصليين، لقد اكتسب هؤلاء سلوكاً غير شريف، وغير إنساني، فصاروا بحكم قانون التجنيس مواطنين، يمكنهم أن يستغلوا القوانين، فصاروا يتاجرون بالبشر. لقد استغلوا بعض بنات بلدي بعقود زواج وهمية، وأصبحوا يقيمون في بلادك ويمارسون أقذر مهنة، وهي مهنة الدعارة، وأنا أحملك شخصياً هذه الجريمة، جريمة الاتجار بالبشر، وهي إحدى نتائج طغيانك.

أيها الملك،

أقولها لك بغصة: الغرب يقدم لك الحماية فتطيعه أنت، وبلادنا الشرقية تقدم لك أبناءها ليطيعوك. فما أتعس بلادا تفقد شرفها من أجل عارك. 

 


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus