هل كانت إساءة صحيفة البلاد للشيعة في البحرين نشازاً أم امتداداً؟

2014-07-25 - 2:48 م

مرآة البحرين (خاص): أخيراً، اعتذرت صحيفة البلاد اليوم الجمعة 25 يوليو/تمموز 2014 في تنويه مقتضب، عما أسمته بـ "الكلمات غير المقصودة" التي وردت في تقرير لأحد صحافييها، وصفتها بأنها "مسّت" الطائفة الشيعية. أتى الاعتذار بعد 3 أيام من استمرار ردود الفعل الشعبية الغاضبة تجاهها وتجاه الكاتب المسيء، وكانت الصحيفة في 23 يوليو، وبدلاً من تقديم اعتذار صريح ومباشر، راحت خلال افتتاحية متعنّتة، ترد على موجة الغضب العارمة، بالحديث عن مبادئها الرافضة للمساس بالمذاهب والأديان، وبدلاً من الإقرار المباشر بخطئها الذي استفزّ مشاعر طائفة بأكملها، دعت إلى ما أسمته "ابتعاد الجميع وعلى رأسهم قادة الرأي عن التأجيج"!!

كيف وصل الأمر بكاتب في صحيفة رسمية أن يسيء علنا وصريحاً لمعتقد الطائفة الشيعية؟ هل أتت هذه الإساءة نشازاً، أم أنها امتداد لإساءات طائفية متواصلة راحت تتمادى أكثر وأكثر مع الوقت. فالإساءة الطائفية مثل هاوية النار، ما لم تلقمها رملاً يطمسها في بدايتها، فتحت فاهها وتمادت أكثرت. الهاوية لا تشبع ولا تسكت.

منذ مارس 2011، فتحت السلطة باب إهانة الطائفة الشيعية على مصراعيه دون تحفظ. بدأته عملياً على الأرض فيما عرف بـ"التطهير" الذي لا زال مستمراً، وشجّعت الأقلام الطائفية النتنة والأبواق وخطباء المنابر الطائفيين ليُظهروا خبثهم. ورغم أنها لم تتجرّأ بالإساءة الصريحة لـ"معتقد" الشيعة في صحافتها الرسمية، إلا أنها وظّفت الأخيرة لتمارس شتى الطرق والأساليب الهابطة في النيل من "المكوّن الشيعي". فكانت اللعبة المنتهجة رسمياً منذ 2011 حتى الآن: أنا لا أنال من معتقدك بل أنال منك لأنك تنتمي إلى هذا المعتقد.

لقد أوكلت السلطة الإساءة الصريحة للطائفة الشيعية ومعتقداتها، لمنابر أخرى، جعلتها بعيداً عن الطابع الرسمي كي لا تُتّهم بها. وظّفت لها جيوشاً من التكفيريين في الفضاء العام.

تم استخدام مجرمين معروفين مثل العقيد السابق، السلفي الحالي عادل فليفل، المشهور بسجلّه العامر بالتعذيب واستغلال وظيفته العامة في سرقة أموال الناس وتهديدهم. كما وظّفت السلطة مشايخ دين مثل عبداللطيف المحمود، والعضو البرلماني صاحب منبر يوم الجمعة جاسم السعيدي (سلف)، والنائبين السابقين محمد خالد (إخوان) وناصر الفضالة (إخوان)، وُظف هؤلاء لبث الخطاب المذهبي والكراهية بين مكونات الشعب البحريني، فغدا خطاب "أولاد المتعة رائجاً"، وبات التكفير في النهاية عقيدة لدى أشخاص وجماعات موالية باتت تصر على كفر الطائفة الشيعية في البحرين وتخوينها وطنياً، وتحت ستار هذا الخطاب تتم ممارسة حملة إبعاد للطائفة الشيعية عن الدولة وعن كل مجالات الاستفادة من الخير العام للدولة وثرواتها وخدماتها.

بعد 16 مارس 2011 وإخلاء دوار اللؤلؤة من المتظاهرين بالقوة العارية، بات خطاب "أولاد المتعة" وهو نبز تحقيري يستخدمه متطرفو الحكم، وبعض مواليه، للغمز من قناة المعارضين الشيعة. وهو يشير إلى حكم في الفقه الشيعي، يُعرف بالزواج المؤقت أو المتعة، في سياق «المناكفة» المذهبيّة، والتنكيل بالمعارضين، حيث يشكل الشيعة أكثريتهم. استُخدم هذا النبز من جانب بعض شيوخ السلف والإخوان في غير مناسبة،

وتلا ذلك تفجير قضايا لاستمرار السعار المذهبي، فجاءت القضية التي عرفت بقضية "قطع لسان المؤذن عرفان" وهي القضية التي اتضح لاحقاً كذبها وزيفها، وكانت السلطة قالت إن شباباً شيعة قطعوا لسان مؤذن سني لاعتبارات مذهبية.

في نفس سياق التسعير وإشعال الفتنة الطائفية والمذهبية، أثيرت قضية "الطفل عمر"، اتهمت فيها المعلمة فوزية حسن كاظم بإهانة طفل سني بشكل متكرر بسبب اسمه!!، الأمر الذي نفته المعلمة جملة وتفصيلاً، وكانت النتيجة فصل المعلمة من عملها رغم تأكيد براءتها من التهمة.

هاوية الخطاب الطائفي المتعرض للشيعة، صارت تستقطب الأصوات المشحونة بالكراهية والمرض الطائفي، وجد هؤلاء أخيراً متنفساً لكراهيتهم وحقدهم الطائفي فذهبوا فيها عميقاً وغويطاً. الهاوية صارت أوسع ونارها تأكل وتزيد.

وصل الأمر ببعض الموظفين العموميين أن يُظهروا كراهيتهم علناً على صفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي. المتحدث باسم الجيش البحريني خالد البوعينين الذي ظهر أخيراً مع نجل الملك ناصر بن حمد، كتب في حسابه على تويتر واصفاً المواطنين الشيعة: ربهم بشر ومعصومهم إله وعمائمهم تزني وأطفالهم بلا نسب وطقوسهم شرك. لم تتوقف الإهانات العلنية إذ كان الأمر موجّها بوضوح من قبل السلطة، فقد كتب عبر تويتر أيضاً الكاتب حافظ الشيخ واصفاً المواطنين الشيعة بـ"الجالية الشيعية في البحرين" أذانهم "بدعة" ومهديهم "خرافة".

النائب السلفي جاسم السعيدي، نعت في إحدى خطبه أبناء الطائفة الشيعية بـ(النغول) وأنهم جميعا ولدوا نتيجة علاقات جنسية محرّمة. والسعيدي هو واحد من رجال دين يديرهم وزير الملك خالد بن أحمد وزير الديوان الملكي. وبالطبع لم تطل السعيدي الذي يتمتع بحماية الحاكم الحقيقي للبلاد أية عقوبة بسبب تحريضه وجرائمه بحق المجتمع.

هذه مجرد نماذج تعرضها (مرآة البحرين)، لم يكن الطرف الأصلي في التحريض والتوجيه وزرع القنابل الموقوتة لتفجير المجتمع وتشطيره سوى الجهات الرسمية، وقد استمر هذا الخطاب حتى خطاب العقيد السابق الجلاد والمجرم المعروف عادل فليفل الذي قام بتكفير الشيخ عيسى قاسم والطائفة الشيعية ووصفهم بالمشركين، وتهديد الشيخ عيسى قاسم علنا باصطياده وقتله.

وقد أكمل طارق العامر الذي يكتب في صحيفة البلاد المملوكة لنجل رئيس الوزراء هذا المسلسل، فقد قام بإزدراء عقائد الشيعة بشكل استفزازي للغاية، ورغم الاعتراضات إلا أن صحيفة البلاد كتبت تنويهاً يخلو من أي اعتذار ومن أي تحملٍ للمسؤولية، كان أقرب إلى الإصرار والمكابرة، لكنها تحت الضغط الشعبي الكبير والخوف الرسمي من ارتدادات خطيرة جداً تجاه ما فعله وكتبه طارق العامر اضطرت إلى إبعاده واقالته من الصحيفة، لكن الجميع يعرف أن مكان طارق العامر الأصلي ووظيفته الحقيقية هي في مكتب حسام بن عيسى آل خليفة رئيس ديوان رئيس الوزراء، كما أن النيابة العامة لم تتحرك بشكل فاعل حتى اللحظة، فالجمعيات السياسية والجمعيات الحقوقية تقول إن أدوات التفجير تحميها السلطة وعلى رأسها الديوان الملكي.

من يلعب بالنار يحترق بها، هذا ما جربته الجهات الرسمية في البحرين، تحوّل هذا الاستعمال إلى ثقل فوق كاهل السلطة، وباتت التقارير الدولية والمنظمات تتهمها علناً بتهميش وظلم الطائفة الشيعية على أساس ديني ومذهبي.


التعليقات
التعليقات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع

comments powered by Disqus